بين بول الإبل ومجارى إدكو.. يا قلبى لا تحزن

مشاركة
* عادل نعمان 08:16 م، 17 يونيو 2022

ولا أجد سوى ما قاله زعيم الأمة سعد باشا زغلول: «مفيش فايدة»، حتى وإن كذب الناس عليه، حين قالها للسيدة حرمه صفية هانم زغلول، سواء عند خلافه مع عدلي باشا يكن، أو عند فشل مفاوضات الاستقلال مع الإنجليز، أو فى مرضه الأخير حين قدمت له الدواء لحظة الاحتضار، وربما لم يصرح بهذا على الإطلاق.. إلا أننا اعتدنا الفضفضة بها حين نسخر ونتهكم ونوشك على الانفجار، أو يشفق علينا الصبر من كثرة البلاء والغباء، أو يمل ويسأم التكرار والإعادة والمعاودة على الأخطاء والجهل، فيردد ما قاله الزعيم: «مفيش فايدة»، وينصرف عنا غير آسفٍ غير راضٍ غير نادم.

وصور الجهل فى حياتنا لا يختلف القديم منها عن الحديث أو ما بينهما، وهذا عن الأمس القريب فى مدينة إدكو بمحافظة البحيرة، يلتف الصغار والكبار حول بالوعة صرف صحى لأحد المساجد، المياه راكدة عفنة تفوح منها رائحة نتنة، وتطفح على السطح فضلات ومخلفات وروث المترددين، هذه المخلفات يغتسل منها الصغار وسط تحفيز وتحميس الكبار، ويمسح الكبار على رؤوسهم بالفضلات يطلبون اليُمن والبركات وبحبوحة العيش، وتصب الأمهات منها على رؤوس الأولاد، وسط الدعوات أن تُحل عقدة ألسنتهم وأقلامهم فى امتحانات آخر العام، ويجعل قلوب المراقبين عليهم بردًا وسلامًا.

اقرأ ايضا: جدل تجاوز المأزق بين المشروع الوطني والانتخابات

أو يجعل بينهم وبين الأولاد سدًا منيعًا فلا يبصرون الغش وتداول الإجابات، ونسوة جئن من أقصى المدينة يطلبن الستر والصحة وإزالة الهم والكرب ورفع البلاء، وربما دعت إحداهن فى سرّها أن يعود الغائب أو تتزوج العانس أو يُسدد عنها الدين ويعفيها من العقوبة والحبس.. وتختم الدراما حبكتها حين تطل علينا سيدة تقسم لنا أنها قد داخت السبع دوخات حين فقدت حركة القدمين وأصبحت قعيدة الفراش سنين، حتى جاءها الفرج على مياه المجاري المبروكة، وشفيت بفضلها وعادت سليمة تتحرك فى سهولة ويسر، البعض يتندر ويطالب بتنظيم الزيارات للمجاري، والحجز قبلها بأسبوع، وإقامة مجموعة من الفنادق لتنشيط السياحة الشاطئية.

وهذه الصورة (فيما بينهما) كما جاء فى رواية كاتبنا الكبير يحيى حقي «قنديل أم هاشم» صورة من صور الجهل أيضا، والقنديل هو «المصباح الذي يضئ مسجد السيدة زينب»، وكانوا يستخدمون الزيت فى إضاءة المصابيح، ولا ندرى أو نعرف على وجه اليقين متى أصاب هذا الزيت بركة آل البيت!! فتشفى به العيون من الرمد وتقوى من ضعف البصر، إلا أن الأمر كان كارثيا على «فاطمة» بطلة الرواية التى فقدت بصرها بعد أن كان ضعيفا.

كم كان عدد ضحايا الغلابة غير «فاطمة» من استخدام هذا الزيت بديلا لقطرة العين؟.. وكم عميت وأغلقت العيون المبصرة حتى لو كانت تتحسس طريقها بصعوبة؟ ولما حاول الدكتور «إسماعيل» بطل الرواية العائد بعد دراسة طب العيون من أوروبا أن يعالج أبناء الحى من سكان السيدة بالطب والتداوي وحطم القنديل حين أنكر عليهم هذه الخرافة وهذه البدعة، ثار عليه سكان الحى واعتدوا عليه.. صحيح حاول إسماعيل أن يتحايل على الخرافة إلا أنها أقوى وستظل فوق الحقيقة، فهذه شعوب قد أَلِفت التضليل والخداع، وربحت من ورائه متعة الكسل والتنبلة، حتى وصلنا إلى أردأ من زيت القنديل، وأصبحنا نطلب البركة والشفاء والنجاح من بول البنى آدمين.

وتعالوا إلى (صورة الجهل القديمة) وهى بول الإبل، وهو الأمر الوحيد المتفق عليه بين أهل السنة والشيعة، وأجازه مشايخ الطرفين، ونحمد الله على هذا الاتفاق. الغريب أن كل المشايخ يؤكدون أن العلم أثبت نجاح بول الإبل فى علاج الكثير من الأمراض ولم يتقدم أحدهم باسم العالم الذى أكد هذا الاكتشاف، أو المجلة العلمية التى نشرت هذا البحث وأكدت هذا الاختراع العجيب، الذى أصبح يباع فى كثير من دولنا العربية الإسلامية «يباع لتر بول الإبل فى دول النصب بخمسين دولارًا».

منظمة الصحة العالمية تحذر من شرب بول الإبل، إلا أن المنتفعين من «خرافة الطب النبوى» يؤكدون أن النبى، صلى الله عليه وسلم- نصح أفرادا من قبيلة «عرينة وعوكل» حين جاءوا للمدينة فى عام الوفود «واستوخموا الأرض»- أصابهم الكسل وانتفخت بطونهم- بأن يخرجوا إلى الصحراء ليتريضوا ويشربوا من بول الإبل وألبانها، وقد كانت النصيحة النبوية نصيحة عامة معمولا بها عند الجميع، ويتداوى الناس بها، ويتناقلها الناس فيما بينهم لكل من أصابه انتفاخ أو وجع فى البطن.

ولم يكن الرسول فى هذا طبيبا أو معالجا، بل ناصح كغيره، ولم يكن اختراعا خاصا أو تنزيلا من الله بعلاج جديد.. وفيما قيل عن الأمراض التى تشفى ببول الإبل، مرض السكرى، السرطان، التهاب الكبد الوبائى، تخثر الدم.. والأكاذيب كثيرة حول هذا الطب، والمنتفعون بالملايين، والكذابون أكثر.

القاسم المشترك بين صور الجهل من بالوعة كوم حمادة إلى بول الإبل، مرورا بزيت قنديل أم هاشم هو رواج هذه السوق فى بلادنا، على الرغم من النتائج الكارثية الثابتة والمتكررة والموثقة، فلا شُفى مريض، ولا نجح جاهل غبى، ولا فُرِّج عن هم أو كرب، ولا سدد دينا، ولا أبصرت فاطمة يحيى حقى، ولا توقفنا عن ترديد مقولة زعيم الأمة «مفيش فايدة».

 

 ** كاتب مصـــري

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "دار الحيــــاة ".