"ذكرياتي مع مدير سابق رحل عن عالمنا بواشنطن"

رحيل العادل المستبد

مشاركة
11:51 م، 19 اغسطس 2019

*حافظ الميرازي

رحم الله الاستاذ سلمان حلمي، الذي رحل من يومين في صمت، وكان مدير اول إذاعة دولية اعمل بها خارج مصر، اي بعد صوت العرب من القاهرة.
كان سام او مستر حلمي رئيسا للقسم العربي لإذاعة صوت امريكا في واشنطن، حين عملت معها اولا غير متفرغ، لانشغالي بمنحة دراسية للماجستير بين عامي 1983 و 84. ولم احب ظروف العمل وقتها تحت إدارة رجل يخشاه حولي وقتها أناس كان بعضهم في سن جدي وليس فقط والدي.
ولأنه كان مهاجرا من العراق، تعود البعض على الهمس باسمه المخيف للموظفين: Little Saddam او "صدام الصغير."
رغم إعجابي بالحياة والدراسة في واشنطن التي درست نظامها السياسي جامعيا وعرفته قبل وصولها، ورغبتي في العودة لاستكمال دراساتي العليا من إحدى جامعاتها بعد أن سجلت الماجستير بجامعة القاهرة، لكن أجواء دكتاتورية العمل التي لمستها والمتناقضة مع حرية الحياة السياسية الامريكية خارج هذا المبنى الحكومي القريب بخطوات مشيا من الكونجرس، جعلتني مترددا في قبول وظيفة ثابتة بتلك الإذاعة فور نجاحي باختبارات الوظيفة التي اجتزتها، ودخلتها قبل السفر عملا بمنطق إمساك العصا من النصف، حتى لا أندم إذا عدت القاهرة بنهاية منحتي الدراسية وندمت وأردت العودة لواشنطن، ليبقى الخيار مفتوحا.
وخيرا فعلت، ففي إذاعة صوت العرب العائد إليها مظفرا ومعتقدا أنني كنت أقرأ النشرات الرئيسية بصوت أمريكا، فعلى الاقل سيسمحون لي ان أسبق إن لم اتساو في الخبرة امام الميكروفون مع دفعتي في قراءة بعض النشرات التي سمحوا لهم بتقديمها.
لكنني فوجئت ان احد رؤسائي، ولم ينجح من قبل في اختبار اذاعة صوت امريكا المتعدد للترجمة والتحرير والقراءة،  يصر على أن افقد حتى دوري مع زملاء دفعتي، وأعود مذيعا أصغر او جونيور لمذيعة احدث من دفعتي، على الاقل في جدول الاسبوع الاول لاستئناف عملي بالقاهرة، مذكرا الجميع مبرره أمامي ان ميكروفون صوت العرب هو المعيار في الخبرة والاقدمية وليس إذاعة كصوت أمريكا، "فنحن الأصل..وليس امريكا..  ومصر أولا"!!
ادخلتني تجربة العودة في مواجهة مع رؤسائي كصعيدي ناشف الدماغ! ورفضت تنفيذ الجدول، وتحولت للتحقيق كمتمرد لم يعمل بمبدأ: نفّذ اولا واتظلم ثانيا،  وإن خفف رئيس الإذاعة وقتها الاستاذ فهمي عمر الأجواء بمطالبة رؤسائي المباشرين ان يصبروا ويلينوا بعض الشئ على بلدياتنا الغض "ابو دماغ ناشفة"!

وقتها، أدركت أن دكتاتورية العمل لدى العم سام في واشنطن كانت تعطيني على الأقل فرصة المنافسة وقراءة نشرات مع من هم أقدم مني بعشرين عاما، والحكم علي بكفائتي وليس سني، فلم اتردد في طلب العودة إلى دائرة "صدام الصغير" بواشنطن. وأرسلت لهم موافقتي على العرض المتاح لي منذ أشهر بالعودة لإذاعة صوت امريكا، كمذيع محرر مترجم، ثابت، وهو ما حدث في عام 1985.
تحمّل سام حلمي امتعاض وجهي، وصوتي المرفوع في اجتماعات القسم، واعتراضاتي احيانا بينما يفضل آخرون الصمت والهدوء والسلامة، لانهم يعلمون بخبرة السنين مغبة إغضابه.
كانت النتيجة نموذج العادل المستبد الذي سمعت عنه ولم اجربه حتى عرفت هذا الرجل:
رغم كل سخافاتي، كان يطالب بإشراكي في اي تغطيات مهمة على الهواء، بل وسمح لي ان أحضر ضيوفا معارضين للسياسة الامريكية للتوازن، مثلما فعل عند مقابلتي الإذاعية هاتفيا مع الدكتورة نعمات احمد فؤاد وهي تشجب عام 1991 عبر ثوت امريكا الحرب الأمريكية على العراق وتقارنها بما فعله التتار في بغداد.
بل وسمح الرجل ليس فقط بتجديد عقدي السنوي مع الإذاعة ولكن حصولي على ترقية Editor لمراجعة غيري ممن ليس لديه الدرجة!
لكن المستبد قرر شيئا آخر في المقابل:
وهو ان أولئك المتمردين لكنه يراهم اكفاء ويحتاجهم، لن يثبتهم  بل ستبقي تأشيرة إقامتهم بامريكا J1 كمبعوث تبادل مؤقت، ولن يحولهم إلى إقامة دائمة خلافا لزملائهم المطيعين له.
هذا ما عرفته، حين أبلغت زملائي أنني سأتزوج من زميلة مذيعة تونسية انضمت إلينا منذ عام فقط (وهي ام اولادي كريم وسارة).
استدعاها رئيسها المباشر البشوش المبدع وهادئ الطبع دائما، ليبلغها الخبر السئ: "مستر حلمي كان قد وافق على تحويل تأشيرتك لإقامة دائمة، لكن هذا سيتوقف بعد اعلان الزواج لحافظ، الذي قرر سام منذ سنوات إبقاءه على تأشيرة مؤقتة لسلوكه معه وايضا حتى لا يترك المكان بعدها لغيره بامريكا بالجرين كارد..." فقالت له: افعلوا ماتشاءون، واشكرك على النصح.
بعد بضع سنوات، ترقى فيها مستر حلمي الكفء والمحب للاكفاء والناقم على المتمردين معا، ليتولى إدارة عدة إذاعات اخرى لمناطق اسلامية كالفارسي بجانب العربي، وتكررت الشكاوى من سوء استخدامه تأشيرة الإقامة لتطويع وتليين الإرادات   بجعل فريق من موظفيه مغضوبا عليهم.. وتأثير ذلك حتى على وضع ورسوم ابنائهم بالجامعات.  وبمجرد تغير رئاسة اذاعة صوت امريكا ورحيل مستر حلمي، قررت المؤسسة توحيد وإصلاح سياستها بإرغام المديرين على تحويل موظفيهم لإقامة دائمة بعد عامين من توزيعهم وتجربتهم، وإلا يتم إنهاء التعاقد معهم دون تجديد عمل او إقامة.

في نفس الفترة، كانت إدارة الهجرة الأمريكية قد سمحت للدول الاقل عددا في نسبة مهاجريها لامريكا ، مثل بلدان المغرب العربي ودول الفرانكفون، بالحصول على عدد من تأشيرات "اليانصيب" او Lottery لضمان التعددية العرقية في المهاجرين. وكانت ام اولادي قدمت يالفعل عليها حين علمنا بها، وبعد وقف تحويل تأشيرتها الدائمة بعد  ارتباطها بزميلها المتمرد على رئيسه في العمل!
بمجرد تغير إدارة صوت امريكا وتنفيذ الإصلاحات، عاد رئيسنا المباشر ليقول إن الاسرع لنا الان مع كل سنوات اقدميتنا تحويل تأشيرتنا الآن بسهولة ومن واشنطن عن طريق الإذاعة كهيئة حكومية بدل الانتظار للسفر الى تونس والعودة بتأشيرة اللوتري مع طابور المهاجرين.
لكننا قررنا أن نحصل عليها ضمن اليانصيب حتى نذكر المستبدين أننا نجحنا دون حاجة إلى جزرتهم.
اللهم ارحم كل موتانا، واعف عن العادلين من عبادك ولو استبدوا، فعلى الأقل اجتهدوا فعدلوا واصابوا مرات واستبدوا فأخطأوا. وانت غفور رحيم !
تعقيب بعد النشر:
ردا على سؤال كتعقيب وجدته مكملا للقصة رغم اجابتي عليه ادناه، من د. محمد عبد الباقي:
Moh A Baky 
س- "هل رحل قبل أن تبين له ظلمه؟..وهل حاولت مقابلته ليراك تنجح رغم طاغوته؟"
ج- "حين عملت مديرا لمكتب الجزيرة بواشنطن وبعد مشاركتي بجلسة إستماع في الكونجرس (نقلتها قناة C-Span) اتصل بي وكانت المرة الوحيدة، وهو فخور بكل ود، كأب راهن على نجاح ابن عاق وكسب رهانه عليه. رحمه الله."

*   إعلامي مصري