لكل دولة من موقعها الجغرافي نصيب من التحديات الداخلية والخارجية بحكم جيوبوليتك المنطقة التي تقع فيها الدولة المعنية. ولما كان الحديث هنا عن الأردن، فعلينا أن نلتفت إلى النظريات السياسية التي تربط وتحلل التفاعلات البشرية بالاتجاهات السياسية الداخلية والخارجية والعسكرية لتحديد ماهية التحديات الداخلية والخارجية للدولة بحكم موقعها بناء على تصورات سياسية مستقبلية نابعة من تفاعل البشر بالجغرافيا التي أصبحت اليوم محدداً رئيساً لدور الدول على الساحة العالمية.
وفي دراسة التحديات الداخلية والخارجية للأردن البراجماتي، لا بد من معرفة الهموم المحلية قبل التطرق للتحديات الخارجية التي تواجه الدولة الأردنية. يرى الكثير من المفكرين وعلماء الجيوبوليتيك أنه لا يمكن التصدي للتحديات الخارجية دون معالجة التحديات الداخلية وهذه المسألة أشبه بإعادة ترتيب البيت الداخلي.
فمن الواضح اليوم أن هناك توجهاً أردنياً لتجديد السلطتين التشريعية والتنفيذية لكسب ثقة الشارع الأردني بعد تراكم الأزمات التي أثقلت كاهل أبنائه على مدى سنوات دون إيجاد حلول جذرية لها. إن أولى تلك المشكلات تكمُن فيما يعرف بعلم السياسة ببناء الثقة بين الحكومة والشعب وهنا نتحدث عن عملية إعادة بناء الثقة التي لا بد منها. كما أن التحدي الثاني يكمن في تشكيل توليفة حكومية تتناسب مع المرحلة القادمة التي تحيق بالمنطقة مع إعطاء الشباب الأردني فرصة في هذه العملية لأنهم يسعون لتحقيق طموحاتهم في بناء دولة حديثة تحقق العدالة للجميع.
إن ما نراه من استحقاقات في المرحلة القادمة لا بد من مواجهتها بإرادة شبابية تتمتع برؤيا ومصداقية وثقة الشعب بعيداً عن الشعارات والمزايدات والعنتريات لمكافحة الفساد ونشر الشفافية والقضاء على الانتهازية لأننا فعلاً أمام مرحلة جديدة تحتاج إلى حنكة ورؤية لمستقبل الأردن والشعب الأردني والمنطقة حتى يتم للأردن رسم سياسته الخارجية بشكل ناجع ومؤثر على مستوى الإقليم. وما لم تعالج قضايا الأردن الاقتصادية ومنها البطالة التي تفشت بين صفوف أبنائه في ظل تضخم الأسعار، فإننا لن نتمكن من أداء الدور الإقليمي الذي ننشد لأن ضعف الاقتصاد يعني ضعف السياسة بشكل عام في ظل إقليم مضطرب.
وفيما يتعلق بالتحديات الخارجية، فإن الأردن محاط بنقاط ملتهبة في عدد من دول الجوار كما أن التهديدات الأمنية للتنظيمات الإرهابية والمتطرفة له بين الحين والآخر تُضعف من سياسته الخارجية ومن نفوذه الإقليمي لأنه بذلك يحاول أولاً ترميم بيته الداخلي أولاً قبل التوجه إلى الخارج وبذلك يفقد الأردن ما يعرف بالفرصة البديلة وهي التي كان يعمل عليها في السنوات الماضية من حيث لعب دور إقليمي فاعل. لذلك فالتهديدات الأمنية للتنظيمات الإرهابية بخلق حاضنة لها في الأردن شبيهة بتلك التي في العراق وسوريا أثرت على السياسة الخارجية الأردنية الإقليمية لأن الأردن بات يُعطي أهمية للتصدي لتلك التنظيمات. كما أن التحدي الآخر الخارجي هو تدفق اللاجئين إلى الأردن في ظل شح الموارد المحلية وقلة الدعم الدولي للاجئين.
ولعل أكبر تحد يواجه الأردن اليوم هو القضية الفلسطينية ومحاولات إسرائيل تصدير أزمتها الداخلية إلى الأردن لفرض واقع جيوبوليتيكي وديموغرافي جديد يحول دون المطالبة الدولية بمساءلة إسرائيل عن كل التجاوزات منذ العالم 1967. كما أن صفقة القرن التي أُعلن عنها منذ أشهر بشقيها الاقتصادي والسياسي لا تعطِ أهمية لمخاوف الأردن وقيادته من أية سيناريوهات مستقبلية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي أو لتداعياته على الأردن وهذا ما يثير مخاوف الأردنيين وقيادتهم.
كما أن المخاوف الكبرى تكمن في نشوب حرب إقليمية في الشرق الأوسط قريبة من الحدود الأردنية لما في ذلك من تهديد للأمن الوطني الأردني خصوصاً وأن الأردن كان من أوائل الدول التي حذرت من الهلال الشيعي في العام 2004. ونظراً لوجود قوات إيرانية قريبة من الحدود الشمالية والشرقية من الأردن، فإن هذا يُعد من أبرز التحديات للأمن الوطني. لذلك ما لم تعالج القضايا الداخلية الشائكة لا يمكن التصدي بسهولة للتحديات الخارجية من دول طامحة أو طامعة.