الغطرسة الاستعمارية الجديدة لخطة كوشنر

مشاركة
خطة السلام الأمريكية"صفقة القرن" خطة السلام الأمريكية"صفقة القرن"
مجلة العصر الالكترونية 07:08 م، 18 يونيو 2019

"لا يمكنكم الاستغناء عنا"، أخبر اللورد كورزون بهدوء الهنود الذين حكمهم باعتباره قائما إمبراطوريا بريطانيا قبل أكثر من قرن. وجاريد كوشنر، صهر الرئيس وكبير المستشارين المسؤولين عن صياغة خطة سلام في المنطقة، لديه شيء مشترك مع اللورد كرزون وأمثاله الاستعماريين، كما كتب المؤرخ الفلسطيني الأمريكي رشيد خالدي في مقابلة له مع "أكسيوس" في 2 يونيو ، قبل وقت قصير من وصوله إلى المملكة المتحدة، شكك كوشنر في جدوى الحكم الذاتي الفلسطيني المستقل، وأعلن: "سيتعين علينا أن نرى"، مضيفًا: " الأمل هو أن يتمكنوا بمرور الوقت من أن يصبحوا قادرين على الحكم"، وعندما سئل عما إذا كان ينبغي للفلسطينيين أن يتمتعوا بالتحرر من "الحكومة الإسرائيلية أو التدخل العسكري" ، قال إنه كان مجرد "عائق كبير". وسأله محاوره إن كان يفهم لماذا لا يثق به الفلسطينيون، رد كوشنر قائلاً: "لست هنا لأثق".

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يُخبر فيها الفلسطينيون أنهم لا يستطيعون أن يحكموا أنفسهم، وأنهم ملزمون بالبقاء تحت وصاية أجنبية، ولا يشاورون بشأن مستقبلهم الوطني. في عام 1919، كتب إمبريالي بريطاني آخر، اللورد بلفور، في مذكرة سرية إلى كرزون نفسه "في فلسطين، نحن لا نقترح حتى أن نستعرض شكل التشاور مع رغبات السكان الحاليين في البلد ...إذ الصهيونية، سواء أ كانت صحيحة أم خاطئة، جيدة أم سيئة، متأصلة في التقاليد القديمة، في الاحتياجات الحاليَة، في آمال المستقبل، وأكثر عمقا بكثير من رغبات وتحيزات 700000 من العرب الذين يعيشون الآن في هذه الأرض القديمة". واستبعد إعلان عام 1917 المرتبط باسم بلفور، وهو أساس الانتداب البريطاني الذي أدى إلى قيام إسرائيل، الفلسطينيين -الذين لم يذكرهم بلفور بالاسم- من الحقوق السياسية والوطنية التي منحها لليهود.

وذلك في مقابلة مع "أكسيوس"، ردد كوشنر كلمات بلفور، واستبعد الفلسطينيين مرارًا وتكرارًا من الحقوق السياسية والوطنية. أكد كوشنر وزملاؤه، مستشار البيت الأبيض جيسون غرينبلات، وديفيد فريدمان، سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، باستمرار أن مبادراتهم هي في الأساس مبادرة تنمية اقتصادية للضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، تهدف إلى العمل في ظل الظروف الحالية للسيطرة الإسرائيلية المطلقة تقريبا. حتى الآن، ليس لديها أي جانب سياسي مكشوف، باستثناء الإشارة الواضحة إلى استبعاد قيام الدولة الفلسطينية وسيادتها. كل الفلسطينيين يستحقون، حسب رأي كوشنر، "فرصة للعيش حياة أفضل ... فرصة لدفع رهنهم العقاري" تحت حكم إسرائيل.

في جميع أنحاء العالم تقريبًا، يرى الفلسطينيون في هذا النهج طريقا مختصرة نحو تطبيع الاحتلال الذي لا ينتهي والضم التدريجي في ظل ظروف التمييز القانوني الشديد بين اليهود العرب الإسرائيليين والفلسطينيين: وضع أشبه بالفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

من المثير للدهشة، بالنسبة لشخص يُفترض أنه رجل أعمال ناجح ، يبدو أن كوشنر يجهل الإجماع الاقتصادي الذي يصف الاقتصاد الفلسطيني بأنه مُخنوق في المقام الأول بسبب التدخل المنهجي للاحتلال العسكري الإسرائيلي.

لقد أضافت إدارة ترامب إلى هذا الخنق الاقتصادي قراراتها بقطع المساعدات الأمريكية المباشرة عن الضفة الغربية وغزة ودعمها للأونروا. في هذه الأثناء، تواصل الولايات المتحدة دعمها للحصار الإسرائيلي على غزة، بمساعدة مصر، بما له من آثار كارثية على سكانها البالغ عددهم 1.8 مليون نسمة، بما في ذلك النقص المزمن في الطاقة والمياه، والحد الأدنى من معالجة مياه الصرف الصحي، والبطالة التي تجاوزت 50 في المائة، والافتقار التام إلى حرية حركة. وهذه ليست سوى بعض الطرق التي أظهرت بها إدارة كوشنر احتقارها للفلسطينيين.

كما تجنبت إدارة ترامب بشكل صريح تأييد حل الدولتين أو أي شكل من أشكال السيادة الفلسطينية، وهو ما كرره كوشنر في مقابلته. لقد أُغلقت البعثة الفلسطينية في واشنطن العاصمة، وقُطعت المساعدات الأمريكية عن السلطة الفلسطينية. أخيرًا، فإن إدارة ترامب، بتأييدها لضم إسرائيل لمرتفعات الجولان، قد مهدت الطريق لضم أي جزء من الضفة الغربية تختار إسرائيل ابتلاعه.

في الواقع، في مقابلة أُجريت مؤخراً مع صحيفة "نيويورك تايمز"، صرح السفير فريدمان، الذي يُقال إنه "قوة دافعة" في صياغة سياسة إدارة ترامب في المنطقة، بأن إسرائيل لها "الحق" في ضم "بعض، ولكن من غير المحتمل "جميع" مناطق الضفة الغربية.. وعندما سأل عما إذا كانت خطة كوشنر تتضمن دولة فلسطينية ، قال: "ما هي الدولة؟" واختتم حديثه بكل سخافة بمقارنة الاحتلال الإسرائيلي القسري غير المحدود للأرض الفلسطينية بالوجود العسكري الأمريكي القائم على المعاهدة في ألمانيا واليابان وكوريا. هذه التصريحات هي أوضح مؤشر ممكن للطريقة التي تهب بها الرياح في واشنطن.

ومقابل هذه المصادرات للحقوق الفلسطينية، سوف تُقدم أموال للفلسطينيين، تُجمع من دول الخليج، وهو عرض يفترض أن يتم إضفاء الطابع الرسمي عليه في مؤتمر البحرين في أواخر يونيو الجاري. واقتراح كوشنر بشطب المعارضة الفلسطينية لخطة تلغي التسوية السياسية المتفاوض عليها، ليس غطرسة مكشوفة، وفقط، وهو ما يتماشى تمامًا مع سجلّ أسرته وأقاربه، وإنما أيضا نسخة مُعاد تسخينها لخطط مماثلة "للسلام الاقتصادي" بدلاً من الحقوق الفلسطينية التي يروجها القادة الإسرائيليون من شمعون بيرس إلى نتنياهو.

منذ زمن اتفاقات أوسلو في منتصف التسعينيات، طرح بيريز، الذي كان ملتزمًا بحرمان الفلسطينيين من الدولة والسيادة، أفكارًا مختلفة من أجل "السلام الاقتصادي". وقد طرح بنيامين نتنياهو الموضوع نفسه، بدءًا من انتخابات 2009، وبتركيز متزايد منذ ذلك الحين، لأنه خرج بشكل متزايد ضد الدولة الفلسطينية. بالنسبة لنتنياهو وأنصار المتطرفين من المستوطنين المتطرفين، مثل زميله في مجلس الوزراء الأخير نفتالي بينيت، التحلية الاقتصادية للقرص المرير الذي يُقصد من الفلسطينيين ابتلاعه أصبحت خطوة أساسية في سياسة ضمهم الصريحة.

ليس سراً أن إدارة ترامب وحكومة نتنياهو يسيران على قدم وساق، سواء فيما يتعلق بفلسطين أو المواجهة مع إيران، لكن ما يثير الدهشة هو مقدار ارتباط سياسة البيت الأبيض في المنطقة، بما في ذلك خطة كوشنر نفسها، بنتنياهو وحلفائه في إسرائيل والولايات المتحدة. ذلك أن "مبادرات" إدارة ترامب بشأن المنطقة جميعها أتت فعليًا من متجر أفكار اليمين المتطرف الإسرائيلي، بما في ذلك نقل سفارة القدس، ومحاولة تصفية وكالة الأونروا، والانسحاب من الصفقة النووية مع إيران. لا يزال هناك عدد قليل من البنود في قائمة أمنيات نتنياهو، بما في ذلك ضم جزء كبير من الضفة الغربية، والرفض الأمريكي الرسمي لدولة فلسطينية ، وإنشاء قيادة فلسطينية مروضة تماما، وغيرها من الطرق المؤسفة لإكراه الفلسطينيين على قبول أنهم شعب مهزوم.

ما يقوله كوشنر وزملاؤه أن الفلسطينيين ليس لديهم مظالم مبررة، ولا حقوق مشروعة، باستثناء الحق في الرخاء، وأيَ رخاء يمكن تحقيقه بأموال خليجية في ظل احتلال عسكري إسرائيلي دائم لأرضهم. ومع ذلك، فإن فكرة خطة كوشنر المتمثلة في إلقاء أموال الآخرين على القضية لن يجعلها تختفي، وليس عندما يتعلق الأمر بالحقوق الوطنية والسياسية والمدنية والإنسانية لما يقدر بنحو 12 مليون شخص. كما يجب أن يكون واضحًا انطلاقا من نشاط المجتمع السياسي والمدني مثل حركة المقاطعة، وغيرها من أشكال المقاومة في قطاع غزة والضفة الغربية، وبين الفلسطينيين داخل إسرائيل وفي الشتات الفلسطيني، فإن الشعب الفلسطيني ليس على وشك أن يتم شراؤه.

لقد أوضحت إدارة ترامب أن الإسرائيليين لديهم إسهام كبير في تقرير ما يحدث في فلسطين، والفلسطينيون أنفسهم لا يستحقون التشاور معهم بشأن مستقبلهم. والنمطية المتعبة المتمثلة في حرمان الفلسطينيين من السلطة، كما هي خطة كوشنر، قد جُربَت منذ أكثر من قرن. لم ينجح الأمر في ظل الانتداب البريطاني، ولم ينجح في الفترة ما بين 1948 ومنظمة التحرير الفلسطينية في الستينيات، وحاولت الأنظمة العربية فرض وصاية عليها، ولم تنجح في ظل الحكم العسكري الإسرائيلي. كل ما سُمح به للفلسطينيين من قبل محتليهم الإسرائيليين، من مناحيم بيغن في عام 1977 وحتى بنيامين نتنياهو اليوم، مقيدة بشدة ودرجات تجميلية كبيرة من السلطة الذاتية تحت الإبهام الإسرائيلي. وواضح أن هذا هو أقصى ما يمكن لكوشنر تقديمه.

الوضع الراهن للاحتلال العسكري والاستعمار الذي يقترحه كوشنر لتمديده إلى أجل غير مسمى يتناقض كلياً مع عقود من السياسة الأمريكية المعلنة، ومع كل مبدأ من مبادئ الحرية والعدالة والإنصاف من المفترض أن تؤيدها الولايات المتحدة. وقال الكاتب إن هذا يخضع السياسة الأمريكية للعمل تحت تأثير الأفكار الرجعية لليمين الإسرائيلي. وما يجب أن يدركوه أن أيام اللورد كرزون واللورد بلفور قد ولَت، فقد انتهى عصر الاستعمار. ومن خلال الخطط الاستعمارية الجديدة التي وضعوها للفلسطينيين، يسبح هو وحلفاؤه الإسرائيليون ضد حركة التاريخ.